الأربعاء، 17 أبريل 2024

 


التنميط آفة صناع محتوى تك توك ويوتيوب

إيمان أسعد

من تأثيرات تصفُّح «إكس» وقت الصيام على الدماغ، أنك للوهلة الأولى قد تنخدع بصورة وتظنها شيئًا آخر شبيهًا به. هذا ما حدث حين وقعت عيناي على تغريدة لنشرة بريدية تعرض غلافًا للقاء لها مع ضيف، وتوقفت لأني ظننت اللقاء حلقة من بودكاست «فنجان» لأن التصميم شبيه جدًا بنمط «فنجان» من حيث اختيار درجات الألوان والخطوط وأسلوب كتابة العنوان وموقع وجود العنوان على الغلاف وموقع صورة الضيف.

«التنميط»، أي تكرار الاستعانة بنمط معيّن في صناعة المحتوى، ظاهرة لصيقة بعالم الإنترنت في السنوات الأخيرة، وهي ظاهرة غير مستهجنة بل تشجع عليها المنصات الكبرى وتعين عليها، لأنها تمنح صنّاع المحتوى الجدد وسيلة أسرع وأضمن في صنع محتوى ناجح دون المرور بحيرة خطوات التصميم الإبداعية الأولى وتساؤلات قبول هذا النوع من المحتوى وشكله لدى الجمهور.

لكن المبالغة في أي شيء تفسده. وهذا ما تستكشفه تايلور لورينز في مقالها «نمط "مستر بيست اليوتيوبي" أوشك على الأفول» (The Beastification of YouTube May be Coming to an End) حول أثر تكرار نمط تحرير فيديوهات «مستر بيست» السلبي في صانع المحتوى الذي يستعين بنمطه. فمع شيوع النمط في عدد هائل من مقاطع الفيديو، أصبح صعبًا لأي صانع محتوى أن يتميز ويجذب الانتباه حتى إن كان محتواه مختلفًا ورائعًا في المضمون، لأن الشكل الخارجي مكرر.

وتركز لورينز على عنصر أساسي كرَّس هذا التنميط في يوتيوب وتك توك وهو عنصر «التحرير الاحتجازي» (Retention Editing).

إذا كنت متابعًا حثيثًا لمقاطع يوتيوب وتك توك القصيرة ستجد تشابهًا في أنماط تحرير الفيديو من حيث المؤثرات الصوتية والمرئية وأسلوب توزيعها وتوقيت استخدامها، وكيف أنَّ من جزء الثانية الأولى يستقبلك المقطع بمؤثر مرئي صوتي يجذبك للبقاء ثوانٍ أخرى. ومن هنا جاء مسمى «التحرير الاحتجازي»: نمط تحرير يساعد صانع محتوى الفيديو على احتجاز انتباه دماغ المشاهد لأطول فترة ممكنة. 

ويكمن السر في تشابه نمط «التحرير الاحتجازي» وسرعة شيوعه لدى صناع محتوى الفيديو في وجود برامج تحرير تعتمد هذه النمطية وتشجعها لدى المستخدم الذي لا يملك مؤهلات تحريرية ومهارات فردية تساعده على الإبداع في إخراج مقاطعه، فيعتمد على القوالب السهلة الجاهزة.

أشهر تلك البرامج (CapCut)؛ برنامج تحرير مجاني تملكه شركة «بايت دانس» الصينية، الشركة الأم المالكة لمنصة تك توك. فالمقابل الذي تربحه «بايت دانس» من توفير برنامج التحرير مجانًا هو دفع أكبر عدد ممكن من المستخدمين إلى صناعة المحتوى على تطبيقها. شيء أشبه بمزارع التفريخ والتدجين، مع وجود برنامج التحرير كعامل مسرِّع. 

لكن رياحًا مختلفة بدأت تهب على شراع نمط «مستر بيست». إذ صحيح أنَّ الدماغ يستجيب بشكل أسرع للمؤثرات البراقة الصاخبة ويدمن دوبامين الإثارة، لكن الدماغ أيضًا يسأم، وحين يسأم الدماغ من التكرار ينقل هذا السأم لصاحبه على صورة إرهاق ذهني ونفسي.

تقول القاعدة التجارية والعلمية «لا داعٍ لإعادة اختراع العجلة»، ولهذا فإنَّ الأنماط في ذاتها ليست عنصرًا سلبيًّا في أي صناعة بل محفز إيجابي على التنويع وخلق سوق تنافسي يدفع إلى تطور الجميع وتقديم المنتَج الأفضل للمستهلك. فلا شركة سيارات جديدة اخترعت السيارة من الصفر، ولا شركة حواسيب جديدة اخترعت حاسوبًا من الصفر، ولا شركة جوال جديدة اخترعت جوالها من الصفر. كلها انطلقت من النمط الأساسي للمنتَج الأول الذي أثبت نجاحه. 

لذا لا ضير في بناء منتجك على النمط الأساسي، لكن لا تنسَ أنَّ استدامة منتجك تعتمد على ما تبنيه من إبداع شخصي على هذا النمط الأساسي ويميزك عن الآخرين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق