الأربعاء، 17 أبريل 2024

 


ماذا أنشر كتابًا لن يقرأه أحد؟

إيمان أسعد

قبل عدة أيام كنت أتصفح تطبيق أبجد لكي أتأكد من وجود كتاب «الضوء الأزرق» لحسين البرغوثي لعدم وجود نسخة ورقية منه في المكتبات المحلية في الكويت. بعدما وجدته، خطر لي أن أضع اسمي في خانة البحث، وفوجئت حين رأيت أول رواية كتبتُها ونشرتها في عام 2014. المفاجأة ليست في وجودها بل في أنَّ قارئًا واحدًا قرأها في أغسطس 2023.

النجوم الخمس التي منحتني إياها القارئة ليست وحدها مبعث سعادتي، بل حقيقة أنَّ أحدهم قرأ الرواية بعد أعوام من إتلاف كل النسخ. أتذكر جيدًا الإيميل الذي وصلني من دار النشر في لبنان يبلغونني فيها أنَّ الألف نسخة لم تبع في عامين إلا 125 نسخة. وبما أنَّ المكتبات أعادت النسخ المتوفرة لديها، ووجودها في مخزن دار النشر بات يحتل مساحةً الدارُ في حاجة إليها للكتب الجديدة، سيرسلون إليَّ بخدمة الشحن 850 نسخة.

ما كنت لأحتمل رؤية هذه النسخ مكدسة في البيت شاهدًا على فشلي الذريع، فأرسلت إليهم طلبي إتلاف كل النسخ الموجودة، وأرفقت روابط لجهات بيئية وتطوعية في لبنان تقدم خدمة إعادة التدوير الورقي مجانًا. وهكذا كان. ودومًا أقول لدى حديثي عن تجربتي الأولى في كتابة الرواية ونشرها أنها تحوَّلت إلى ورق حمام.

المفارقة الساخرة في الموضوع، أننا في نشرة أها! تكلمنا كثيرًا عن خشية ضياع النسخ الرقمية من ألعاب وكتب وأفلام، لكن تقنية «الكتاب الإلكتروني» هي التي انتشلت روايتي من عداد الأموات والفقد النهائي، لا الكتاب الورقي.

قد تقول في نفسك، قارئٌ واحد ليس انتشالًا من عداد الأموات، ولن يصنع فارقًا في المعادلة. لذا دعني أشاركك هذه الفقرة من يوميات كاتب فرنسي يُدعى هيرفي قيبير، لأنها ستجيب تساؤلك خيرًا منّي.

«في أفظع خيالاتي رعبًا، رعبي من ألا يُنشَر كتابي يفوق رعبي من مضغ الديدان جسدي حيًّا. ولا علاقة للأمر بحفظ ذكراك لأجيال، بل بمنحك إحساسًا بالطمأنينة حتى إن كان واهيًا بأنَّ لقاءً سيكون. (لربما لقاء كل ساعة، كل عام، أو حتى كل قرن.) 

حتى إن لم تُعَد طباعة الكتاب، وأعيد تحويل مخزونه المتكدس إلى ورق، حتى إن احترقت معظم النسخ في النار، أو تفسخت في مياه المجاري ومحيت معظم حروفه، ربما لقاءٌ سيكون مع قارئٍ واحد، شابٍ يافع أو شابة يافعة، رجلٍ مسن، طفل، ينتشل النسخة الناجية بين يديه؛ وهذه اللغة، وهذا الصوت، سيُبْعَثان من جديد، لبعض الوقت، في ذاك الجسد، قبل أن يتحجَّر مرة أخرى، على سطحٍ ميت عديم الفائدة. وسيسعد كتابي بأنه انتشر من جديد، يحتفي بأنَّه قُرِئ، أنَّ الفعل الجسدي المبذول في كتابته، هذا الوقت المهدر، كان في النهاية لغاية، وأنه وجد قارئًا يحبه.

لكن لربما أنا عاجزٌ عن تفسير حجتي، لأنَّ ما قلت التو لا يوفي مشاعري الحقيقية حقها. لذا سأقول: لولا هذا الإحساس الواهي بالطمأنينة، هذا الأمل بوجود ذاك القارئ الواحد، يومًا ما، لما واصلتُ الكتابة، وكنت سأكتب بوتيرة أقل لو لم يكن لدي حبٌّ أسرده. لأنَّ الحبَّ هو ما أريد لذاك القارئ أن يقرأه، ويدركه.»

لهذا السبب نكتب وننشر، علمًا أنَّ الأرقام واحتمالات النجاح ليست أبدًا في صالح أغلب الكتّاب (وهنا مقطع يوتيوب ممتع يبين لك التفسير الاقتصادي وراء هذا.) لأنَّ ما زال ثمة أمل بشري في أن ينفذ كتابٌ في خرم إبرة الخوارزميات والتسويق الذاتي والتوصيات، ويجد طريقه إلى قارئ واحد بعد عشر سنوات. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق